محمد ابو زهره

977

خاتم النبيين ( ص )

الوفود 655 - في العام التاسع جاءت الوفود إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعد غزوة تبوك ، ويقول كتاب السيرة ، إنها آخر غزوة غزاها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وقد عمت الدعوة الإسلامية البلاد العربية وصار العرب بين مجيبين ، وكافرين ، ومترددين يسيرون في طريق الإسلام ، ولما يدخل الإيمان قلوبهم ، وقد جاءت وفود ممن أسلموا ، ووفود أخرى تقدم ذكرها وقد قال ابن إسحاق ، وإنما كانت العرب تتربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش ، كانوا إمام الناس وهداتهم ، وأهل البيت والحرم ، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ، وقادة العرب ، لا ينكرون ذلك . وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وخلافه ، فلما افتتحت مكة المكرمة ، ودانت له قريش ، ودوخها الإسلام عرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولا عداوته ، فدخلوا في دين اللّه كما قال عز وجل : « أفواجا » يضربون إليه من كل وجه ، يقول اللّه تعالى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ . وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ، وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أي فاحمد اللّه على ما ظهر من دينك ، واستغفره إنه كان توابا . وقد قال كانت العرب تتلوم بإسلامهم قبل الفتح ، فيقولون اتركوه وقومه ، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق ، فلما كانت واقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم . ومؤدى هذا أن فتح مكة المكرمة لم يكن فتحا لمدينة لها قدسيتها فقط ، بل كان فتحا لقلوب الناس نحو الإسلام ، إذ هم لقريش تبع ، ولم يكن الفتح إكراها لقريش على الإسلام ، بل إزالة نقمة الزعماء والكبراء ، وتبين الحق الصريح الواضح ، حتى إن الكبير منهم كان يقدم على الإسلام ، لأنه علم أنه العقل وأنه الحق ، كما رأينا في إسلام عكرمة بن أبي جهل ومن كان معه من إخوان له إلى آخر لحظة من مقاومته . ولكن مع ذلك يجب التمييز بين من دخل في دين اللّه ، والبلاء بلاء ، وحمل عبء المصابرة على الأذى في مكة المكرمة ، والتهكم والاستهزاء ، وهم الذين جاهدوا في سبيل اللّه ، وحملوا السيف ، وقاتلوا وقتلوا ، وهم الذين اشتروا أنفسهم وباعوها ، حتى بلغ الإسلام ما بلغ وفتحت مكة المكرمة أو مهد للفتح بالحديبية ، يجب التفرقة بين الذين دخلوا وحملوا العبء مع الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وبين الذين جاؤوا من بعد ، ولذا يقول اللّه تبارك وتعالى : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ ، وَقاتَلَ ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ( الحديد : 10 ) .